الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

18

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الشرك والتوجه إلى غير الله ) يبدو للنظر أنه أنسب مع ما سبق وما يلحق هذه الجملة ، وإن لم تكن إرادة كل هذه المعاني بعيدة عن مفهوم الآية أيضا . 3 2 - أقصر الأدلة على المعاد لقد بحث أمر المعاد والبعث في يوم القيامة كثيرا ، ويستفاد من آيات القرآن الكريم أن هضم هذه المسألة كان أمرا صعبا وعسيرا بالنسبة إلى كثير من الناس في العصور الغابرة ، إلى درجة أنهم كانوا يتخذون أحيانا من طرح مسألة القيامة والمعاد من قبل الأنبياء دليلا على عدم صحة دعوتهم ، وبل حتى ( والعياذ بالله ) دليلا على الجنون ويقولون : افترى على الله كذبا أم به جنة ( 1 ) . ولكن يجب الانتباه إلى أن ما كان يدعو لمزيد من تعجبهم ودهشتهم ، هو مسألة المعاد الجسماني ، لأنهم ما كانوا يصدقون بأن الأبدان بعد صيرورتها ترابا ، وتبعثر ذراتها بفعل الرياح والأعاصير وتناثرها في أرجاء الأرض . أن تجتمع هذه الذرات المتبعثرة من بين أكوام التراب . وأمواج البحار ، ومن بين ثنايا ذرات الهواء ، ويلبس ذلك الإنسان لباس الوجود والحياة مرة أخرى . إن القرآن الكريم أجاب في آيات متنوعة على هذا الظن الخاطئ ، والآية الحاضرة تعكس إحدى أقصر وأجمل التعابير في هذا المجال ، إذ تقول : أنظروا إلى بداية الخلق ، انظروا إلى جسمكم الذي يتكون من مقدار كبير من الماء ، ومقدار أقل من المواد المعدنية وشبه المعدنية المختلفة المتنوعة أين كان في السابق ؟ فالمياه المستخدمة في جسمكم يحتمل أن كل قطرة منها كانت سادرة في محيط من محيطات الأرض ثم تبخرت وتبدلت إلى السحب ، ثم نزلت في شكل قطرات المطر على الأراضي ، والذرات التي استخدمت في نسيج جسمكم من مواد الأرض الجامدة كانت ذات يوم في هيئة حبة قمح أو ثمرة شجرة ، أو خضروات مختلفة جمعت من مختلف نقاط الأرض .

--> 1 - سورة سبأ ، 8 .